ابن أبي الحديد
137
شرح نهج البلاغة
أما بعد ، فإن عهدي بك وأنت لليتيم كالأب الرحيم ، وللضعيف كالأخ البر ، تعاضد قوى المسلمين ، وتصنع للأخرق منهم ، لا تأخذك في الله لومة لائم ، ولا ترى معونة ظالم ، كذلك كنت أنت وأصحابك ، أولا ( 1 ) تتذكر قولك : لولا أنى أعلم أن للامام العادل مثل أجر رعيته ما توليت أمر رجلين من المسلمين ! فلما شريت نفسك في طاعة ربك ابتغاء مرضاته ، وأصبت من الحق فصه ( 2 ) ، وصبرت على مره ، تجرد لك الشيطان ، ولم يكن أحد أثقل عليه وطأة منك ومن أصحابك ، فاستمالك واستهواك ، وأغواك فغويت ، وأكفرت الذين عذرهم الله تعالى في كتابه ، من قعدة المسلمين وضعفتهم ، قال الله عز وجل ، وقوله الحق ، ووعده الصدق : ( ليس على الضعفاء ولا على المرضى ولا على الذين لا يجدون ما ينفقون حرج إذا نصحوا لله ورسوله ) ( 3 ) : ثم سماهم تعالى أحسن الأسماء فقال : ( ما على المحسنين من سبيل ) ( 4 ) ثم استحللت قتل الأطفال ، وقد نهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم عن قتلهم ، وقال الله جل ثناؤه : ( ولا تزر وازرة وزر أخرى ) ( 4 ) ، وقال سبحانه في القعدة خيرا ، فقال : ( وفضل الله المجاهدين على القاعدين أجرا عظيما ) ( 5 ) فتفضيله المجاهدين على القاعدين لا يدفع منزلة من هو دون المجاهدين ، أو ما سمعت قوله تعالى : ( لا يستوي القاعدون من المؤمنين غير أولى الضرر ) ( 6 ) فجعلهم من المؤمنين . [ وفضل عليهم المجاهدين بأعمالهم ] ( 7 ) ثم إنك لا تؤدى أمانة إلى من خالفك ، والله تعالى قد أمر أن تؤدى الأمانات إلى أهلها . فاتق الله في نفسك ، واتق يوما لا يجزى فيه والد عن ولده ، ولا مولود هو جاز عن والده شيئا ، فإن الله بالمرصاد ، وحكمه العدل ، وقوله الفصل . والسلام ( 8 ) .
--> ( 1 ) الكامل : ( أما ) ( 2 ) فصه : كنهه ( 3 ) سورة التوبة 91 ( 4 ) سورة الإسراء 15 ( 5 ) سورة النساء 95 ( 6 ) سورة النساء 95 ( 7 ) من كتاب الكامل ( 8 ) الكامل 612 ( طبع أوروبا )